رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

421

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

القبول . والظاهر أنّ قوله تعالى : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » « 1 » إشارة إلى هذا ، على أنّ اللام في « ليذوقوا » كاللام في « لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » « 2 » . أو أظهر الحكيم أمراً واقعيّاً في صورة الغضب لمصلحة تخويف الذين ليسوا بخبيثي الذات . كما أنّ وصف مؤذيات جهنّم من العقارب والحيّات والشرب المشبّهة بجمالات صفر بأوصافها وعدم إطلاق المداواة والتنقية عليها ، مع أنّها كذلك في الحقيقة لأجل ذلك . واعلم أنّ إبليس قبل أن توجد كان معنى معلوماً للَّه‌ومقدوراً خاصّاً من مقدوراته تعالي ، وخصوصيّة التي بها هو إبليس أنّه خبيث ليس فيه خير إلّا من وجهين : أحدهما : أنّه يصلح أن يجعل فتنة للناس يتميّز من يطيعه لمناسبة بينهما في السنخ عمّن يطيعه للانخداع والاغترار ، ثمّ يتنبّه ولو بعد حين ، فيندم على ما كان منه ، ويرجع إلى اللَّه ، فيصير من الذين ذكرهم اللَّه بقوله : « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » « 3 » وبقوله : « فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » « 4 » أو يكفّر ذنبه بوجه آخر لطهارة طينته . والوجه الثاني : أنّه ليس من المعاني التي لا تحتمل الجود والرحمة الواسعة بوجه من الوجوه حتّى يترك في محبس العدم ، بل هو بحيث إذا أوجد وتلوّث بدنه بخبث أعماله السيّئة من التكبّر وإغواء خلق اللَّه حسداً وحقداً وزادت على الخباثة الذاتية الخباثة العارضية زالت العارضية بالتعذيب ، وإن تجدّدت عقيب الزوال من جهة الخباثة الذاتية ، كالمجنون الذي يلبسه المربّي ثوباً نظيفاً ، فيوسّخه المجنون ويدنّسه بارتكاب الأقذار والتقلّب في الأنجاس ، فيبدّل المربّي الملوّث بنظيف آخر شفقةً ورحمةً ، فلا يزال يجري الحال بينهما على هذا المنوال . وإذ كان هذان الخيران معلومين للَّه‌تعالى في المعنى الخبيث المسمّى بإبليس ،

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 56 . ( 2 ) . القصص ( 28 ) : 8 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 222 . ( 4 ) . الفرقان ( 25 ) : 70 .